ابن أبي الحديد

267

شرح نهج البلاغة

في الغار ، بما هو واضح لمن أنصف ، ونزيد هاهنا تأكيدا بما لم نذكره فيما تقدم فنقول إن فضيلة المبيت على الفراش على الصحبة في الغار لوجهين : أحدهما أن عليا عليه السلام قد كان انس بالنبي صلى الله عليه وآله وحصل له بمصاحبته قديما انس عظيم ، وألف شديد ، فلما فارقه عدم ذلك الانس ، وحصل به أبو بكر ، فكان ما يجده علي عليه السلام من الوحشة وألم الفرقة موجبا زيادة ثوابه ، لان الثواب على قدر المشقة . وثانيهما أن أبا بكر كان يؤثر الخروج من مكة ، وقد كان خرج من قبل فردا ، فازداد كراهية للمقام ، فلما خرج مع رسول الله صلى الله عليه وآله وافق ذلك هوى قلبه ، ومحبوب نفسه ، فلم يكن له من الفضيلة ما يوازى فضيلة من احتمل المشقة العظيمة ، وعرض نفسه لوقع السيوف ، لرضخ الحجارة ، لأنه على قدر سهولة العبادة يكون نقصان الثواب . قال الجاحظ ثم الذي لقى أبو بكر في مسجده الذي بناه على بابه في بنى جمح ، فقد كان بنى مسجدا يصلى فيه ، ويدعو الناس إلى الاسلام ، وكان له صوت رقيق ، ووجه عتيق ، وكان إذا قرا بكى ، فيقف عليه المارة من الرجال والنساء والصبيان والعبيد ، فلما أوذي في الله ، ومنع من ذلك المسجد ، استأذن رسول الله صلى الله عليه وآله في الهجرة فأذن له ، فاقبل يريد المدينة ، فتلقاه الكناني ( 1 ) ، فعقد له جوارا ، وقال والله لا ادع مثلك يخرج من مكة ، فرجع إليها وعاد لصنيعه في المسجد ، فمشت قريش إلى جاره الكناني ، وأجلبوا عليه ، فقال له دع المسجد وادخل بيتك ، واصنع فيه ما بدا لك ( 2 ) .

--> ( 1 ) الكناني هو مالك بن الدغنة ، أحد بني الحارث بن بكر بن عبد مناة . ( 2 ) العثمانية 28 ، 29 مع تصرف واختصار .